الشيخ حسين المظاهري

46

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية

موارد العفو والصّفح والغفران من اللافت للنظر ، التنبيه على نكتةٍ موطّئةٍ للدخول في صلب هذا المبحث ، وهو انّا وان أشرنا إلى حسن العفو وفضله ، ولكن يجب أن يُدقّق النظر في موارده ، حيث إنّ الحَسَن حَسَنٌ ولكن لا يجوز أن يُحسن في جميع الأحوال ، فالاحسان بالنسبة إلى الظالم اعانةٌ له في ظلمه ، وهذا قبيحٌ في منظرى الشرع والعقل . ثمّ الكلام نفس الكلام في موارد العفو ، حيث انّ العفو بما هو هو بما أنّه نورٌ لا يشوبه ظلمةٌ ، حسنٌ في جميع الأحوال ، ولكن له موارد خاصّة يجب أن يعمل به فيها . ولمّا كانت الفضائل والرّذائل من الفطريّات كما قال تعالى : « ونفس وما سوّيها * فألهمها فجورها وتقويها » « 1 » فاستعمالها في مواردها أيضاً يكون كذلك بحسب الفطرة ، فتلك الموارد واضحة لمن لم يبدّل فطرته . فينبغي صرف الكلام عن موارد العفو وعطفه إلى موارد لا يجوز فيها . وهي : 1 - العفو والصفح بالنسبة إلى حقوق المجتمع لا يجوز لأحد إلّاللحاكم ، فله أن يصفح عن حقٍّ يرجع إلى المجتمع فيما إذا كان صلاحه فيه . فعليه لو كان الحد من حقوق الناس كالقصاص ، فيجوز لولىّ الحد ان يصفح عنه ، بل هو الأولى له ، كما مرّ الكلام فيه ، امّا لو كان الحدّ من حقوق اللَّه تعالى كالزنا الثابت بالشهود فلا يجوز عفو فاعلَيه إلّاإذا رأى الحاكم صلاحاً للمجتمع أفضل من وجوب إقامة الحدّ عليهما . 2 - الصفح عن الظالم المتّصف به بالفعل ، وهذا كما أشرنا إليه لا يجوز عقلًا ولا شرعاً ، حيث بالعفو يجربز عليه ، فيجب منعه وقطع يده عنه . قال تعالى : « لا ينهيكم اللَّه عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من

--> ( 1 ) - الشمس / 7 و 8